عبد الرحمن السهيلي
62
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
فهو أصلها ، والأرواح خلقت مما قال الله تعالى ، وهو النفخ المتقدم المضاف إلى الملك . والملائكة خلقت من نور كما جاء في الصحيح ، وإن كان قد أضاف النفخ إلى نفسه ، فكذلك أضاف قبض الأرواح إلى نفسه فقال : « اللّه يَتَوَفَّى الأنفُسَ حين مَوْتِها » الزمر وأضاف ذلك إلى الملك أيضاً فقال : « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الموتِ » السجدة والفعل مضاف إلى الملك مجازاً ، وإلى الرب حقيقةً ، فهو أيضاً جسم ، ولكنه من جنس الريح ، ولذلك سمي روحاً من لفظ الريح ، ونفخ الملك في معنى الريح غير أنه ضم أوله ؛ لأنه نوراني ، والريح هواء متحرك ، وإذا كان الشرع قد عرفنا من معاني الروح وصفاته بهذا القدر ، فقد عرف من جهة أمره كما قال سبحانه : « قُل الروحُ من أمر ربي » وقوله : من أمر ربي أيضاً ، ولم يقل من أمر الله ، ولا من أمر ربكم يدل على خصوص ، وعلى ما قدمناه من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من قول الله سبحانه ، وقول رسوله بعد الإيمان بالله ورسوله واليقين الصادق والفقه في الدين ، فإن كان لم يخبر اليهود حين سألوه عنه ، فقد أحالهم على موضع العلم به . الروح والنفس والفرق بينهما : فصل : ومما يتصل بمعنى الروح وحقيقته أن تعرف : هل هي النفس أو غيرها ، وقد كثرت في ذلك الأقوال ، واضطربت المذاهب ، فتعلق قوم بظواهر من الأحاديث لا توجب القطع ، لأنها نقل آحاد ، وأيضاً فإن ألفاظها محتملة للتأويل ، ومجازات العرف واتساعاتها في الكلام كثيرة ، فمما تعلقوا به في أن الروح هي النفس قول بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك مع قول النبي عليه السلام : إن الله قبض أرواحنا ، وقوله عز وجل : « اللّه يتوفّى الأنْفُس » والمقبوضة هي الأرواح ، ولم يفرقوا بين القبض والتوفي ، ولا بين الأخذ في قول بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك وبين قول النبي عليه السلام : قبض أرواحنا ، وتنقيح الأقوال وترجيحها يطول . وقد روى أبو عمر في التمهيد حديثاً يدل على خلاف مذهبه في أن النفس هي الروح ، لكن علله فيه أن الله خلق آدم ، وجعل فيه نفساً وروحاً ، فمن الروح : عفافه ، وفهمه وحلمه وسخاؤه ، ووفاؤه ، ومن النفس : شهوته وطيشه وسفهه وغضبه ، ونحو هذا ، وهذا الحديث معناه صحيح إذا تؤمل صح نقله أو لم يصح ، وسبيلك أن تنظر في كتاب الله أولاً ، لا إلى الأحاديث التي تنقل مرة على اللفظ ، ومرة على المعنى ، وتختلف فيها ألفاظ المحدثين ، فنقول قال الله تعالى : « فإذا سَوَّيْتُه ونفختُ فيه من رُوحي » ولم يقل : من نفسي وكذلك قال : « ثُم سَوَّاه ونَفخً فيهِ من رُوحهِ » السجدة ولم يقل من نفسه ، ولا يجوز أيضاً أن يقال هذا ، ولا خفاء فيما بينهما من الفرق في الكلام ، وذلك يدل على أن بينهما فرقاً في المعنى ، وبعكس هذا قوله سبحانه : « تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أعْلَمُ مَا فِي نَفْسكَ » ولم يقل : تعلم ما في روحي ، ولا أعلم ما في روحك ، ولا يحسن هذا القول أيضاً أن يقوله غير عيسى ، ولو كانت النفس والروح اسمين لمعنى واحد ، كالليث والأسد لصح وقوع كل واحد منهما مكان صاحبه ، وكذلك قوله تعالى : « يقولُون في أنْفُسهمْ » ولا يحسن في الكلام : يقولون في أرواحهم ، وقال تعالى : « أنْ تَقُولَ نَفْسٌ » ولم يقل : أن